روحُ الاجتماع: بين حركة المجتمع وفعل الدولة!

273

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، فهو يطمح باستمرار إلى العيش داخل جماعة بشرية بغرض إيجاد ذاته وتحقيق حاجاته المتنوعة والتي ما كان ليحققها لو كان بمفرده. ويعدُّ المجتمع -أي مجتمع- صورة من أبرز الصور المجسدة للطبيعة الاجتماعية للإنسان. إنّهُ -الإنسان- بهذا المعنى يحقق كينونته ويشعر بحقيقة ذاته داخل المجموع، ويعبر كل واحد عن عضويته من خلال تجسيد صور وأفعال تستجيب لمطالب الذات وتحقق -في نفس الآن- الرغبات الخَيّرة بالنسبة للغير.

يمثّل جهاز “الدولة” الطموح الخلاق لبني الإنسان في تحقيق شروط النظام وضمان تماسك المجتمع واستمراريته، فالدولة قوة مرادفة للمجتمع بل وتساويه، وإذا كان المبدأ هو خضوع المخلوق للخالق فإن العلاقة التكوينية بين الدولة والمجتمع تختلف مع كل معطى آخر اختلافا كثيرا. إن المجتمع هو الذي يخلق الدولة ويؤسسها بناء على عدة اعتبارات منها حفظ المجتمع من أي تصدع محتمل باستعمال الوسائل المشروعة والمقبولة بالنسبة لجميع العناصر المكونة لهذا الجهاز. ثم يأتي الاعتبار الآخر والذي يجسد فكرة التضامن الكلي بين الأجزاء لفائدة الكل.

إن الدولة ليست معطى خارجيا معزول عن الواقع، بل إنها صنعة المجتمع منه وإليه. إنه ليصعب علينا تصور وجود دولة دون مجتمع لأن افتراض وجودها يفسر وجود مجتمع بشري. فأينما وجدت دولة فثمة مجتمع، من يُسير الدولة هم الأشخاص لكن الدولة لا تسير الأشخاص لأن غاية الدولة في الأخير ليست فرض الوصاية على الناس والتفكير مكانهم وإنما غايتها الجوهرية تكمن في حماية المجتمع وفرض النظام من خلال قواعد واضحة تنظم سلوك الأفراد.

ثمة أطروحات تفند وجود كيان اسمه دولة، فهناك من يعتبر الدولة معطى تجريديا، بمعنى أننا لا نستطيع أن نتخيل الدولة بوصفها بنية مادية يمكن أن نتعامل معها مثل أي حقيقة واقعية أخرى، وبذلك فالدولة هي مجموعة من الأنشطة والسياسات العمومية والقطاعية التي تنصرف إلى إشباع الحاجات العامّة من خلال برامج وعمليات، وهذا التفسير في نظرنا أقرب للحقيقة من الخيال؛ ذلك أن الدولة ليست بناية إدارية يمكن تحديدها مكانيا ولكنها مجموعة أنشطة وأفعال تعبر الدولة من خلالها عن أهدافها والغاية من تأسيسها.

لكننا في خضم التحليل نتساءل عن الشيء الذي يجعل الدولة قوية وصامدة؟ إن قوة الدولة لا يمكن أن تنبع إلا من أفرادها المكونين لها، هذا المعطى يجعلنا نصطدم بفلسفة الثورة وقضية الصراع الجدلي الذي من خلاله يقوم الشعب بانتزاع الاعتراف من الدولة. تبرر كل الدول تدخلاتها القمعية بفكرة الحفاظ على النظام العام بمعنى أن العنف الذي تمارسه هو فعل مشروع وأن تغييب هذا الإجراء يعني تعريض المجتمع لخطر الفوضى والزوال.

مقالات مرتبطة

هذا التبرير ضعيف من عدة وجوه ولعل أبرزها يتحدد في كون أن الدولة تؤمن بعقيدة فاسدة بحيث تنطلق من فرضية أن الاحتجاج يهدد النظام لكنه في حقيقته الجوهرية لا يهدد الدولة كجهاز أنتجه وصنعه المجتمع، بل إن الاحتجاج يهدد السلطة المؤقتة لرجل السياسة لأنه يؤمن بقوة الجماهير وبقدرتها على إسقاطه ومحاسبته. إن الاحتجاج عامل قوة للدولة لأن الفرد الذي ينزل للشارع من أجل تحسين خدمات الصحة والتعليم لا يهدف إلى الفوضى أكثر من أنه ينزع إلى رأب الصدع من خلال تسليط الضوء على الاختلالات والأخطاء الموجودة وتنبيه الدولة إليها لكي تتداركها وتعكف على تقويمها وتحسينها بالشكل الذي يتحقق معها الأمن والاستقرار العامّين.

وهكذا، فقوة الدولة لا تخضع لمعيار القوة نفسه الذي يتأسس وجوده على منطق السلاح، بل القوة التي نعنيها هنا ترتبط بمنهجية الفعل السياسي للدولة ومنطق التفاعل إزاء القضايا المجتمعية المطروحة. وقد يبدو للبعض أن خطابا كهذا يستند إلى مرجعية فلسفية متعالية ضاربة في عمق الخيال إلا أن الطرح الذي جئنا به يستند إلى الواقع، حيث تكمن قوة الدولة في قدرتها على تدارك أخطائها بمنهجية سليمة تحافظ بها على استمراريتها وأيضاً تحافظ على الطاقة الحيوية للمجتمع، لأن المجتمع عندما يتوقف عن الحركة يفقد توازنه وينتج عن ذلك تأزم الممارسة السياسية وبالتالي فقدان القدرة على تقييم فعل الدولة.

إن تحسين أداء الدولة رهين بتغيير منطق تفكير المجتمع العربي، لا يعني ذلك تحويل الأفراد إلى عصابات تتدافع من أجل السلطة ولكن ينبغي تفكيك البُنى الفكرية والثقافية للمجتمع العربي وتجديد القراءة في القيم المؤسسة لأي فعل. لكن ثمة إشكال بخصوص القيم ما إذا كانت القيم ناتجة عن السلطة السياسية التي تحكم أو ناتجة عن المجتمع، في كلتا الحالتين لا توجد إلا قيمة واحدة توزعها الدولة وتعممها على مجموع أفرادها لكي تضبط تصوراتهم وتفكيرهم وفق خط مذهبي وأيديولوجي ثابت يضمن للحاكم تعبئة المواطنين لمواجهة قضية تهدد بالدرجة الأولى مركزه/كرسيّه السياسي.

عندما يتماهى المجتمع مع السياسة الرمزية للدولة يصبح أكثر الناس ترويجا لإيديولوجيا هذه الدولة أو تلك بمعنى أنه يتحول إلى أداة لتوزيع القيم التي تنتجها الدولة ويروج الخطابات المؤدلجة ويصبح في صراعات ويدخل في تجاذبات قد تنتهي به إما إلى حشد الأفراد وإقناعهم للاصطفاف لجانب الدولة (تلاحظون أنني أقول الدولة ولا أقول الوطن، قد يطول بنا الحديث عن الفرق بينهما). وهذا النموذج موجود بكثرة بالنسبة للدولة التي يكون شكل نظامها السياسي جمهوريا بحيث تكون للحزب الحاكم قوى خفية تعمل على كسب الجماهير وضمها إلى الحزب أو اقناعها ببرنامجه السياسي في الحملة الانتخابية. وإما أن ينتهي به الأمر إلى الانقلاب على الحزب السياسي بسبب شعوره بالخيانة والاستغلال.

هذا التدافع القائم بين المجتمع والدولة هو أساس استمرار العلاقات الإنسانية في التاريخ لأن التدافع يحقق الحركة والحركة بدورها تؤسس للسلطة والسلطة تنتج أفعالا وتقوم بأنشطة تنعكس إيجابا على المجتمع بكليته. الأصل أن حركة المجتمع فاعل أساسي في عجلة التاريخ ولولاها لما كانت هناك حضارة، فانتشار الإسلام مثلا وبلوغه لأقصى الأرض كان يتطلب بالضرورة منطق الحركة الذي يحقق التدافع، الإيمان والكفر، أي الصراع الذي يحكم على قضية ما بالبقاء أو الفناء.

1xbet casino siteleri bahis siteleri