فن مصارعة الحياة

نعيش فعلا حالة من القلق المزمن. أصبحت الحياة تفرض على أكثرنا نمطا قاسيا، وأصبحت وتيرة العيش عالية إلى درجة أن الأيام والأسابيع والأشهر تنقضي في غفلة منا، لا نكاد نستشعر مرورها. تداهمنا السنوات الجديدة ونحن على نفس حالة الدهشة: انقضت السنة؟ بهذه السرعة؟

ساعات العمل المضبوطة، وآلة تسجيل الدخول والخروج التي ترقب المتأخرين في قسوة جافة … مواعيد المواصلات، ساعة دخول الأطفال للمدرسة، ساعة الذروة، زحام الطرقات … تقذفنا الحياة قذفا، ولا يملك أكثرنا سوى أن يجاري التيار في كبد، ويسبح في اتجاه الموج مخافة الغرق.

يثير كل هذا الهرج نقعا كثيفا، يحجب عنا كثيرا من الأمور المهمة. فنستهلك وقتنا وجهدنا وفكرنا بما هو مستعجل، لننسى أحيانا ما هو أولى وأهم.

fight-club
من فيلم Fight club

حين توقظ طفلك صباحا ليقصد مدرسته، يحدث أن تنسى أن تلك اللحظة تحتاج أن تعاش بكل وعي واستمتاع، لا باضطراب وتوتر. كيف لك وأنت الذي تقضي معظم وقتك بعيدا عن طفلك، أن تضيع تلك اللحظات الثمينة. وأنت تداعبه وتلاعبه، تحمله بين ذراعيك كي يكون محياك المبتسم أول ما يتبدى له، تغدي علاقة الحب بينكما، وتكون قد أضفت لصباحك وصباحه سببا وجيها لمدافعة الهم والحزن. هل جربت يوما أن تلعب مع طفلك “كاش كاش” في الساعة السابعة صباحا في البيت؟ لدقائق معدودات فقط؟ كن متأكدا أن دقائق من وقتك لن تغير كثيرا في معادلة كابوس ازدحام الطريق، لكنها ستمنحك أنت وطفلك مناعة مزاجية وعاطفية ضد التوتر الذي أضحى قدرنا المحتوم في الساعات الأولى من كل صباح.

بلا وعي حتى، ستجد نفسك متوترا حيال المردود الدراسي لطفلك، يصيبك الهم من نقطه المتدنية، وتفزع لملاحظات أساتذته السلبية على الكراسات والكنانيش. يجب أن يتفوق، أن يكون الأول أو الثاني … يجب أن ينجح ويمر بجدارة للمستوى التالي … يجب أن يحصل على الدرجة والشهادة والدبلوم وأخ الدبلوم وابن عم الماستر وأرقى “كرطونات” التعليم العالي…وحين تحس أن هذا الهدف “النبيل” في خطر، ستعبر عن ذلك إما بالعنف العاطفي واللفظي والجسدي تجاه طفلك، أو (إن كنت من المحظوظين الذين قرؤوا بضع كتب حول المناهج البيداغوجية) ستهرع إلى وضع خطط ثلاثية وخماسية، وتنفيذ رؤى استراتيجية، وتطبيق نصائح المختصين، وتجريب وصفات علماء التربية.

thumb-1920-342590
من فيلم The Pursuit of Happyness

حتى وأنت تزعم أنك تلهو أو تتوتر أو تجمع لوازم البحر أو الغابة أو نادي الرياضة وأنت مضطرب. تخاف أن تنسى شيئا مهما، وهل في اللهو شيء مهم؟ وتجزع من أبنائك المتأخرين عن الموعد المخطط له كأن باب البحر سيقفل، أو أن أشجار الغابة ستجمع أغصانها عند نهاية الدوام.

تتصرف كرجل آلي، كتب في ذاكرته الإلكترونية النكد والنصب في بداية الأسبوع وساعات الصباح الأولى، والروتين في وسط الأسبوع، واللهو المبرمج الإلزامي في نهاية الأسبوع، ثم الاستعداد للنصب مرة أخرى، وهكذا تدور الرحى لتطحن معها ما يستحق أن يُعاش بكل فرح وانشراح صدر.

في حقيقة الأمر، لا أحد يمنعك من أن تكسر هذه القيود التي تنغص عليك طيب عيشك. لا أحد يملك أن يُلزمك بنمط عيش لا تجد فيه راحتك. هذا “الموديل” الجاهز الذي يفرضه عليك المجتمع ليس قدرك المحتوم. ما ينقصك هو القليل أو الكثير من الشجاعة لكي تعتمد موازين أخرى غير تلك التي سطرها لك الآخرون؛ تعريفهم للنجاح وحكمهم على مفهوم السعادة وتنميطهم للشخص القدوة الذي يجب أن تكون مثله.

لكن الخوف ما يلبث أن ينتابك وأنت فقط تفكر في إعادة تسطير المفاهيم، هذا الخوف المسلط عليك من رقابة المجتمع المعنوية، كسيف داموكليس على رقبتك، وكأنه ينهرك في حزم: ردد معي! إياك أن تخرج على العادة! إياك أن تسلك شِعبا غير الذي سلكه أغلب الناس! السعادة هي أن تتزوج وتلد، أن توصل الأولاد لمدرستهم التقليدية كي يصبحوا مهندسين وأطباء تقليديين! أن تتنزه في غابة هيلتون يوم السبت أو الأحد! أن تدخر قسطا من النقود كي تحزم أغراضك التقليدية شهر غشت نحو مارتيل وأكادير وسيدي بوزيد! لهذه الدورة التقليدية خُلقت ولا توجد خيارات أخرى! تبلع ريقك بصعوبة وتتحسس رقبتك هل أصابها من مكروه ثم تفزع من فراشك في عجل إنها السابعة صباحا، موعد إيقاظ الأطفال.

1xbet casino siteleri bahis siteleri