معنى أن توجد دون أن تعرف أنك موجود فعلا!

134

نتساءل أحيانا بوعي أو بدون وعي عمن نكون وأين يمكن أن نتواجد في عالم أصبح هجينا وعجيبا، يتسابق الناس فيه لحجز مكانهم في مستقبل مجهول ومحفوف بالمخاطر، وفي حاضر يحيط به القلق الاجتماعي وقلق السعي نحو المكانة. هذا الكم الهائل من التسرب المعرفي الذي توفره التكنولوجيا لم يطفئ ظمأ العالم من المعرفة، ومن معرفة سبب الصراع و”غرق الحضارات”. كما لم يتوقف الناس عن القتال وشرب المزيد من دماء الأبرياء وكأنه مرض بلا شفاء ولا دواء، وانتشال جثث من الأفكار المقبورة وحفر بلا انتهاء.

سيأتي يوم لندرك حقيقية أن تكون دون معرفتك أنك موجود فعلا أملا في أن يزول هذا القلق الحاد القاتل. هذا إن كانت للحقيقة أصل أو كانت متأصلة في تاريخ الأفكار، فصديقي يقول إن الحقيقة لا تكتشف بل تأتي وتكتشفنا هي فلهذا لن نكون سعداء ونحن نبحث عنها أو نبحث عن أختها. الهوية؟ لكني سأبحث عنها ما دمت حيا.

حير موضوع الهوية العالم منذ الأزل، ربما يعزى ذلك لجملة من الأسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ولربما تكمن إشكاليتها أيضا في كونها تتلون وتتعدد وتلبس في كل مناسبة ثوبا جديدا وتحضر وجها جديدا تبتسم به للعالم والمواطنون فيه منكبون على عوالمهم الصغرى، محاولين التأقلم مع الشتات المعرفي والحضاري الذي تعانقه السياسة ويبحثون عن مخرج لطرد الضغط الأخلاقي عليهم.

هل هو فخ حقا؟ أن تكون دون أن تعرف أنك موجود؟ كل المظاهر توحي بذلك. انظر مثلا إلى عامل صغير بسيط بثياب هشة يعمل لساعات طوال في معمل لصنع السيارات. يعمل ويكد من أجل أن يعيش وفقط. يقوم بنفس العمل كل يوم وعيناه على نهاية الأسبوع لكي يتسنى له النوم جيدا وأخد حمام منعش، عمل صغير مجزئ يدخله في متاهة التعرف على المنتوج الذي يصنعه، أو على الأقل الذي يعتقد أنه ساهم في صنعه.

يخرج إلى السوق فلا يلاحظ أي انطباع يوحي بأنه صنع السيارة تلك، فيفقد العامل فعالية وجوده ويكتسب المنتوج تلك الفاعلية بدلا عنه. وبدا من أن يصبح هو صاحب هوية، تكتسب الشركة هوية ويعيش هو في استلاب يطفئ نور الحياة فتعتم الطرق وتغلق نوافذ الإغاثة وينادي الموت من بعيد، موت داخلي، أحقا موجود؟ هل يتقدم العالم منطقيا؟ كيف ذلك وأنا قد رأيت قبل أيام قليلة طفلة في مدينة مارتيل تبيع مناديل بثمن بخس يمسح بها الناس أنوفهم وعلى بعد خمسة أمتار تجلس خمس عائلات على فوهة المطعم يأكلون ما لذ وطاب من الأكل وكأنهم لا ينتمون لوطن واحد؟ استعراض جلي للبذخ والشهرة…وبعد قليل تداعت الأشياء وابتلعت مرارة المشهد بكل خزي وحنق.

“ذاب العالم فأصبح بلا رحمة ولا شفقة.” هكذا شعرت، لا توان ولا عقلانية. انا لست عبثيا وانما استعصى علي فهم منطق الوجود ولم أستطع التجرد من تراكمات المظاهر الاعتباطية التي تفرض نفسها حاليا في وعلى العالم.

في عصر كثرت فيه الفجوات وعمقت فيه الفوارق، ينام من له الحظوة في بريق الغنى. وفي كنف الكهولة، يصاحب أخلاقه فيرى من غير النقود ملجأ. إنه عصر المابعديات. تنهكنا فيه المفاهيم والمصطلحات، نغوص في هذا قليلا فنعتقد بوجود فارق ضمن فارق آخر وكأننا في بحر الظلمات نبحث عن مخرجٍ فلا نستطيع إلى ذلك سبيلا. ويبقى الاعتقاد الوحيد هو أن الأسى تجل واضح لخطط فاشلة وقبلها نية فاشلة. قد يقال لي كف عن تحليل كهذا فإنه لا يجعلك سعيدا. سأقول: إن التاريخ يقرأ اعتمادا على ما يدونه المؤرخ في كتبه، لكن الحقيقة التاريخية والسعادة كحقيقية تاريخية تكتشف عندما يرى العالم كوحدة وككل، بعيدا عن الفردانية. أبحث عن حقيقة الكل وكل الحقيقة ولا أريد جزءا وجزئي أنا كذات حقيقة؛ لا أريد أن أفترش النقود. أريد أن أفترش الحقيقة.

ولا زلت أفكر انا ابن مدينة شفشاون من زاوية المنتمي، لا المفترق. لا زلت أرجو أملا في تأطير حقيقة هويتي ورؤية العام كوحدة وككل لأني لا أريد أن أموت بدون ذات وطنية وبدون ذاكرة مشتركة. عندما تغزو أفكار كهذه دماغي ألجأ إلى التجوال والترحال أو أنظم شعرا فألتمس فيه ما لا أجده في الواقع. لأن الشعر تعبير عن النقصان والخصاص، لا عن المقت التام للواقع.

كنت مثلا أبحث بين ثنايا الكتب في ليلة ظلماء فتأمّلتُ فيّ ونظرت إلى السماء برهفه شديدة، في لحظة قفزَت روحي إلى وسط كومة من الأفكار المُبعثرة، تلكَ التي ظننتُها جبالاً من الآهات… جن جنون الصمت والحنين إلى الماضي. قرأتُ مقاطعاً من ديوان “أنشودة المطر” وانتشرت نشوة لحظية في المكان، وضحكة فضحكة، انقلب العالم على رأسه وانكب الناس إلى عالم وقعدت أقول وأتأمل وأقول وأتأمل…كجثةٍ هامدة، كطفل يشاهد القمر فيلجُّ في التأمل. يظن أن القمر يتبعهُ بينما يمشي ناظرا مندهشا، شبه-خائف، ومنتش! فكَّرتُ في مخاوفي، انبثاقٌ جليّ عن الماضي والطبيعة، فكرتُ في حاضري فتوقعت وركبتُ سفينة الأحلام حاملا حبل النجاة، هشّ وشبه-مقطع.. انزواءٌ عبثي يُبطءُ الزمن، في بيت خرب، في المكان يقبع، يسابق الزمن في البطء، يختبئ في واقعٍ…ماذا؟ لا أعرف ماذا؟

تلك ليلة كانت، وستبقى، ليلة البكاء والانطواء! أما عن المستقبل؟ آهٍ على المستقبل! لقد طُردنا منهُ وأصبح التفكيرُ فيهٍ أمرا منسيا، حاجةٌ لا تُقتَنى، أحلامٌ مقطَّعةٌ يتشبث بها أصدقائي ويرعاها عالمٌ افتراضي. وهنا أقف متأملا بعد أن أطفأتُ ظمأ عطشي، ودونما توغل في الحيثيات وانغماس كلي في المقارنات مع الغرب، ظننت أن وطني أمة مات حلمها، وأن لم يقتنع البغض بذلك، سأقول بكل انشطار تقلص الحلم وتنحدر إلى درجات أقل من البيولوجية، نريد حيطانا ونريد أقداما معاصرة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri