علاقة اللغة بالمنطق: فطرية أم مكتسبة؟

235

تعتبر اللغة من أهم الوسائل التي تسهل على الفرد التواصل مع بقية أطراف المجتمع، وتمكنه من تحقيق أغراضه؛ فاللغة منذ وجد الإنسان في هذا الكون، وهي تمكنه من ربط علاقات وتأسيس صداقات، عن طريق مد جسر التواصل، حتى أن هذه العلاقات، تتطور مع الوقت بفعل اللغة، فأحيانا قد تكون من أخطر النعم، ذلك أن إطلالة سريعة على العصر الذي سادت فيه العصبية القبلية، نجد الشاعر إذا هجا قوما جعلهم أذل الناس، وأهانهم بين جل القبائل، ولعل قصة شعراء النقائض، أوضح بكثير في هذا الصدد، حيث يقول جرير في قصيدته الدامغة:

فغض الطرف إنك من نمير *** فلا كعبا بلغت ولا كلابا

يقال إن هذا البيت جعل نميرا من أكثر القبائل عرضة للإهانة والشتم والسب، من مختلف القبائل المجاورة، حتى أنهم إذا سئلوا عن قبيلتهم، يقدمون نسبهم بدلها، فيقولون من بني عامر، وطبعا سيفعلون، لأن اللغة قد فعلت فعلتها، خاصة أنها جاءت في قالب شعري، ضمن قصيدة مفعمة بألوان متنوعة من الهجاء، لكنها في الوقت نفسه من أروع النعم؛ ذلك أنها تمكن صاحبها من التعبير بأريحية كبرى، خاصة إذا كان شاعرا، أو روائيا، أو كاتبا، أو قاصا، فهذا يعيش في عالم لا مثيل له، يعيش مع اللغة، فتصبح كإكسير الحياة لديه، لكن هذه اللغة التي نتحدث عنها تحيط بها العديد من الإشكالات والتساؤلات، وعلى رأسها السؤال القائل: هل اللغة منحة إلهية، وجدت مع الإنسان مند بدء الخليقة؟ أم أنها اجتهاد بشري وليد الحاجة والرغبة في التفاعل والاستئناس؟ ثم ما علاقة اللغة بالمنطق؟

لقد خلق موضوع اللغة جدلا واسعا بين الفلاسفة والمفكرين والعلماء، وانقسموا إلى فريقين: كل يرى القضية من وجهة نظره، فمنهم من يقول إن اللغة نتجت عن اجتهاد بشري، ظهر نتيجة الرغبة في التواصل والتفاعل بين بني البشر، ومنهم من يقول إنها انبثقت في ذهن الإنسان بشكل فطري، وربما يرجع هذا الأمر إلى فلاسفة الإغريق القدامى، لأنهم أول من نظر في أمر اللغة، وحاولوا حل هذا اللغز، حيث كونوا مدرستان: الأولى هي مدرسة القاسيين أو النظريين، التي تبنى أرسطو رأيها، والذي يتضمن ما يلي: إن اللغة كائن طبيعي، ولذلك فهي قياسية ومنطقية في أصل تكوينها، أي أنها اتبعت نمطا منطقيا في تسمية الأشياء بمسمياتها وأنها بأكملها نتيجة اجتهاد بشري، فالإنسان هو من سمى المسميات وفقا لاستخداماتها أو وظيفتها، يعني أن العديد من الأشياء التي تم وصفها بالاتفاق بين بني البشر، ليسهلوا عملية التواصل بين بعضهم البعض.

أما المدرسة الثانية، التي تسمى بمدرسة الوضعيين، فقد نهجت نفس منهج أفلاطون، بزعامة كراتيس، وتدافع هذه المدرسة عن الفكرة القائلة بأن اللغة فطرية، انبثقت في ذهن الإنسان، فغريزته أوحت له بمسميات الأشياء التي يراها، وبرزت العديد من النظريات التي تسلك مسلك هذه المدرسة، كنظرية الغريزة الكلامية، ونظرية التوقيف، التي تبناها بعض العلماء المسلمين، وربطوها بقول الله عزو جل: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31].

لكن من وجهة نظرنا، يبدو أن الإنسان يكتسب اللغة من محيطه، لأنه مزود بقدرات فطرية هائلة، تمكنه من اكتساب العديد من المهارات، فهو حين يولد ويبدأ في النمو، يتعلم أمورا جديدة، وكأنه صفحة بيضاء، فهو يبصر، والبصر عامل مهم، حيث يرى الأشياء المحيطة به، والأحداث التي تجري حوله، ويسمع كل ما يتحدث به أفراد الأسرة في يومهم، وهم بجانبه، فإذا ربطنا علاقة السمع بالبصر، نخلص إلى العامل الرئيسي الذي يمكن الإنسان من اكتساب اللغة، فهو يرى التلفاز، ويسمع طوال النهار عبارات متعلقة به، من قبيل: أطفئ التلفاز، شغل التلفاز…من المؤكد أنه سيجد صعوبة في نطقها لأول مرة، لكنها ستترسخ في ذهنه وتثبت، هكذا يستمر في اكتساب اللغة، فالأسرة حين يبلغ الطفل سنا معينا يتفاجؤون من حديثه، لكنهم لم يدركوا أنهم يتحدثون وهو معهم، وينادون على بعضهم البعض، فتلك الصفحة البيضاء تمتلئ شيئا فشيئا، لأن الإنسان حين يخرج إلى الوجود يبدأ في الإدراك والوعي بما يجري حوله، ويكتسب اللغة تدريجيا، وكلما استمر في النمو، كلما امتلأت تلك الصفحة البيضاء، واتسع ذلك المخزون أو الرصيد.

أما علاقة اللغة بالمنطق، فتحيط بها العديد من الإشكالات والأسئلة التي حاولت الفلسفة الإجابة عنها، حين اعتبر أفلاطون وسقراط أن اللغة في حد ذاتها مشكلة فلسفية، ذلك لأنها نظام معقد من العلامات التي يصعب تفكيكها، فمختلف الفلاسفة حين ينغمسون في دراساتهم وأبحاثهم، يجدون أن أول عائق يقف أمامهم هو اللغة، فمثلا الفيلسوف موريس ميرلوبونتي قال بأن جوهر الفكر الفلسفي، أصبح يتمحور حول فلسفة اللغة.

فللغة علاقة وطيدة بالمنطق، وكلما اتجهنا في دراسة شيء متعلق بالمنطق، نجد اللغة من بين الأمور الأساسية التي وجب الوقوف عندها، فقد شغلت هذه العلاقة أذهان الدراسين على مر العصور، خاصة الفلاسفة التحليليون، فالمنطق يدرس الفكر من كل جوانبه وقوالبه وصوره المختلفة، لكن ما هو الفكر؟ الفكر هو بوابة ننفتح من خلالها على مجموعة من الأفكار، التي يعبر عنها بواسطة اللغة، هنا تظهر العلاقة الجامعة بينهما، لكن لنفصل أكثر ونتمعن في الموضوع بشكل دقيق. إن اللغة عبارة عن تراكيب تخضع لقواعد لغوية معينة، كالنحو الذي تتلخص مهمته الأساسية في البحث في القواعد التي تنظم اللغة المعبرة عن الفكر، والمنطق يبحث أيضا في الفكر المعبر عنه باللغة التي تخضع لهذه القواعد.

نخلص من كل هذا إلى أن اللغة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمنطق، فكلاهما يبحثان في النقط المشتركة التي تجمعهما، ذلك أن النحو يعتمد على المنطق في وضع قواعد اللغة، والأفكار المنطقية نعبر عنها باللغة، هنا يمكننا النظر إليهما على أنهما يكملان بعضهما بعضا، فالمنطق في حاجة ماسة إلى اللغة، كما أن اللغة بدورها في حاجة ماسة إلى المنطق، لأننا بدون لغة لن نعبر عن الأفكار المنطقية، وبدون منطق لن تكون اللغة كما هي اليوم، لأن القواعد التي تنظم اللغة تخضع بدورها للمنطق.

1xbet casino siteleri bahis siteleri