روح الأمم بين مطرقة الغالب وسندان المغلوب

307

مهما بلغت الأمم من تقدم رأسمالي واقتصادي تظل في حاجة إلى روح تبعث الحياة في أوصالها، وتدفعها لتطوير حضارتها وإنتاج وعي مستدام قائم على شروط معنوية تأتي من التجليات التاريخية التي مرت بها، وأخرى مادية تسعى من خلالها إلى تسويق منتوجها الحضاري بما يجعل سوق كل أمة متماسكا ومتناسقا.

وحيث إن بناء هذه الروح تعتمد على خلق هوية مرتبطة بالأرض وتاريخها، هوية وطنية تتقوى من خلال إعادة فتح الأرشيف القديم والتصالح مع ماضيه بمساوئه ومميزاته لتعزيز اكتفاء وعي الإنسان بروابطه الكبرى (الله، التاريخ، الأسرة، الوطن). هوية تتجاوز الهويات الدخيلة التي وضعت المجتمعات في نطاقات ضيقة معزولة عن بعضها، عرقية أو دينية أو لغوية أو قومية كانت.

تُرسخ في الأذهان حال الأمم وهي مقطعة الأوصال ثقافيا وفكريا وإيديولوجيا؛ هوية تحارب استجداء الهويات الدخيلة المدعومة بقوة الرأسمال التي تعمل على تعويم تلك الروابط وتذويب الرموز ذات الصلة بالتاريخ والأعراف والثقافة الأم لكل مجتمع، طبعا لا يمكنني رفض فكرة التلاقح الثقافي بين الأمم عبر التاريخ. هناك بالفعل تجليات جميلة كالفن مثلا حينما ينتقل من حضارة أمة إلى أخرى فهو يحتفظ بنفس طابعه الأصلي في بداية الأمر عن طريق التقليد والاستنساخ، ثم يمتزج بالفن المحلي فيتطور ويغدو خالصا للحضارة التي انتقل إليها.

فروح الأمة النابعة من وعي أفرادها يلزمها أن تظل حاضرة، ثابتة ومتقدة أمام موجات التغيير التي تأخذ أحيانا أشكالا مرنة وسلسة تحاول الاختراق بكل مغرياتها ضمائر الشعوب. غير أن الإدراك المتأخر لهذه الضمائر لخطورة جهلها روح أمتها وروابطها النفسية والتاريخية يجعلها تخطأ التصرف، كما عبر عن ذلك المؤرخ الفرنسي “لوبون” كحال الاستيلاب الثقافي والفكري الذي نشهده الآن عبر الانفتاح على رواسب ومخلفات العالم الغربي المابعد حداثي أو خلق قطيعة إبستمولوجية تربك نفسية الأمة وروحها.

وحيث إن الجهل بتجليات تاريخ الأمة يجعل الجماعات والأفراد منهم في حالة مغلوب مولع بتقليد الغالب في زيه ورموزه واحتفالاته ومختلف أحواله. ويكفي على الناظر لأحوال الأمم المنهزمة فكريا واقتصاديا والمنسلخة من هويتها وثقافتها والذي يتجلى له في العمران واللباس والطهي والرسم وغيره، أن يدرك صحة ما قاله ابن خلدون في أن الصراع ينتهي بميزان القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية؛ بين غالب يفرض سيطرته ثقافيا واقتصاديا ويهيمن على أوصال المغلوب الذي لا يجد عن ذلك ردا غير الانسياق إلى استيلابه والتطبيع معه بكل الطرق المباشرة وغير المباشرة، فيبدأ بالتقليد والاتباع وينتهي بالانبهار والتقديس حتى تصبح هوية الأمة الغازية شغفا وهوية بديلة للأمة المنهزمة.

ثم يستمر التاريخ في حلقة صراع وتدافع بين منتصر ومنهزم بين الأمم في مشاهد متكررة عبر عنها الشيخ الأديب سلمان عودة حين قال: “إن التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن سنن الله واحدة.”

1xbet casino siteleri bahis siteleri