حرب حقيقية

284

السماء تبكي من شدة المطر، والنجوم تلمع من الفرح، حتى الهواء يخطِف الأنفاس برائحة التراب المبلّل، والليل غارق في أوهامه يأتي على شكل لون أسود بغية إعادة التحقيق في النهار، يَستخدم الذكاء، يُحلل الأفكار، ويَقتل أحلام اليقظة، أعلم جيداََ أن الهوس له والكذب دوره، لكن لماذا تحبونه؟! باختصار لأنه يخدع القلب الذي يحب بصدق وعفوية، ويستغل العقل الذي يمشي للبعيد أثناء معركة ما رغم نضجه، أما البشرية، فتُعاني من انفصام حاد مع نفسها وتَعبٍ شديد مع جسدها، تعرف حقيقة الظلام وتنكر معروف الضوء، تهرب من واقعها وتمشي مع خيالها، لماذا الهرب؟! بسهولة تامة لأنه الحل الأنسب للواقع المر الذي يجعل من الألم مرضاً خبيثاً ومن الأمل راحةً نفسيةً.

هناك أشياء جميلة في كل حياة وردية، منحها الله لنا لنتمتع بخيراته بعيداً عن تلك المشاعر المزيفة التي تقتل الروح وتسلب منها الطاقة، الله من بيده كل شيء، نحن نُخطط وهو يفعل ما يشاء وما يراه مناسباً لخلقه، هيا افتتحوا نهاركم بضوء جميل يبتسم لأحبتكم، وقوموا ليلكم بصلاة تنور وجوهكم، فبعد منتصف الليل تأتي تلك المشاعر المزيفة لتُدمر الجمهور الناشئ أو بالأحرى الجمهور القاصر وتُسقط شهامة الفئة الراشدة. لا تأخذوا كل شيء بعين الاعتبار فالتحريض ليس اختصاصي، لكن النصيحة هدفي ومن واجبي تحقيقه في الدنيا قبل الآخرة.

بدأتُ ألاحظ مؤخراً مشاعر غريبة ربما نزلتْ من كوكب آخر اسمه.. “كوكب السرعة”، نعم أعلم أنه زمن السرعة لكن الأصل يبقى في محله لا يُغيره زمان أو مكان، أظن أن الجميع أصبح يعشق في يوم واحد! هل يُعتبر مدة كافية في بناء علاقة حلَّلها الله سبحانه وتعالى؟! أم يُعتبر خدعة تافهة في إشباع بعض الرغبات الحقيرة؟! إنها حرب حقيقية بين القلب والعقل، لكن لن نُسقط اللوم عن الليل وحده أو تلك المشاعر المزيفة وحدها، يوجد شيء آخر ساهم أيضا في تزايُد الحرب، دخلنا في دوامة غامضة يصعب الهروب منها، إنها مواقع التواصل الاجتماعي التي قربتْ البعيد، لكنها خربتْ قرية صغيرة كانت بالأمْس نقيةً سالمةً هدفها الوحيد العيش بسلام ونيل حب الله، أما اليوم بفضل تفاهة العالم الافتراضي توسعتْ أفكار الرغبة، تمددتْ خرافات العشق السريع، وتعكرتْ الأحلام الحقيقية، هذا ما يسمى بالخراب، وأنا بعدما حلَّلت شخصيات كثيرة فقط بيني وبين نفسي، وصلتُ إلى فكرة ربما معقدة لكنها منطقية، نحن البشر نمتلك تركيبةً مختلفة تماماً عن باقي الكائنات الحية.

وجدتُ بعض الإشارات تدل أن هناك الدماغ الذي يشعر لكونه يمنح المرء إحساساً طيباً مدته الزمنية قصيرة، وهناك الدماغ الذي يفكر لكونه يبذل كل ما بوسعه في تحقيق العدالة الذاتية، والتحذير من فرط الانغماس في المشاعر المزيفة دون فائدة، حتى الندم يتأخر بحيث يأتي في وقتٍ لا حاجة لنا به، و لكن السبيل الوحيد إلى أن يكون المرء شخصاً جيداً هو أن يسيطر دماغه الذي يفكر على دماغه الذي يشعر، أي أن يتفوّق العقل على المشاعر والواجب على الرغبة، أعني بكل هذا “صراع العقل والقلب”.

1xbet casino siteleri bahis siteleri