رسائل غريب – الرسالة الثالثة: الخوف

202

مرحبا صديقي الغريب، هذه رسالتي الثالثة إليك؛ فلا تنس أنك تستحق الحياة ولو أتعبتك المخاوف ورياح فشل تفزعك، أنت تستحق الحياة.

أخبرتك سابقا في رسالتنا؛ أن تهدم أسوارك يا صديقي وتحرر من مخاوفك وإلا ستبقى في صندوق مغلق، ستبقى في ظلام فوقه ظلمات. ما الخطوة الأولى لنا لنهدم أسوارنا، لنحطم أبوابا تسجننا؟ كيف يمكنك يا صديقي أن تحطم الجدران العالية التي تمنعك من مشاهدة جمال الشمس، لا بد لك يا صديقي أن تتساءل دوما، كما أوصيتك في رسالتنا الأولى، لا تتوقف أبدا عن السؤال.

من الأشياء التي تثقل كاهلنا في أغلب الأحيان.. الخوف، نخاف من الخطوة الأولى، من البداية. نشك كثيرا حين نخطو الخطوة الأولى في كل شيء. نخاف من الصداقة لأننا نرسم طريق الهجران مسبقا، نخاف من المغامرة في العمل لأننا نخشى الخسران، نخاف أن نقع في الحب وإن كنا نرجوه منذ الصبا. نخاف من الحب لأن الترك والفراق يخيفنا أكثر من اللازم.

هل من حقنا ألا نخاف؟ أو هل من الأحسن حقا أن نخاف؟ هل أنت شجاع بما يكفي لتضع قدمك على طريق مبهم؟ هل تثق في حدسك وتركب قطارا مسرعا يمضي نحو العدم، وربما الحلم. هل أنت شجاع بما يكفي يا صديقي؟ لقد كنت أسائل نفسي ذات زمن، هل أنا شجاع بما يكفي؟ حقا يا صديقي، ما الخوف؟

يقول علماء النفس إن الخوف استجابة لتهديد ما. وهو في نفس الوقت فطري وضروري في حياة الإنسان. وكل إنسان يملك خوفه الخاص، منا من يستغله لتحقيق توازن ضروري يا صديقي، كخوفك من الله والخوف من الفشل دون أن يصبح هاجسا، ومنا الذين يجعلون الخوف يتغذى ويكبر حتى يغدو رهابا، أنت يا صديقي تتخيل أضرار جسيمة تأتيك مستقبلا فتمنح خوفك ما يريد ليكبر.

وأنت تنتظر مستقبلا مبهما تخاف من السقوط نحو الهاوية، فتهوي وحيدا في بئر مخاوفك، وأنت على بعد خطوة من بداية، تحاصرك مخاوف من الفشل فتطفئ شمعتك بيديك قليلا قليلا ويشتعل هاجس الخوف في صدرك. وأنت تعلم يقينا ما الشيء الذي سينتشلك من الحزن والبؤس، تنتظر وتمني نفسك لعل شيئا ما يعيدك إلى بداية الحياة، فأنت تقتل شغفك بيديك يا صديقي وتحيي رهابا جديد في قلبك. وأنت تتابع على هاتفك أخبار الناس وتشاهد يومياتهم، تكبر مخاوفك من أي خطأ قد يقتلك، فتغدو مهووسا بالحماية.

يقول آرثر بروتس (جامعة هارفرد) إن الخوف يجعلك تفقد قدراتك فتنخفض طاقتك. الخوف يا صديقي يقتل الشغف؛ وحين تفقد شغفك أيها الغريب فقد فقدت نفسك، تعود بعدها جثة تمشي على الأرض تيها. ما نتحدث عنه الآن هو تحررك من قيود الخوف التي توقف توهجك.

في رواية أولاد حارتنا يقول نجيب محفوظ؛ “الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة”. وأنت تغذي مخاوفك يا صديقي تمنع نفسك من الحياة، تمنع نفسك من تذوق جمال هذا الطريق رغم عثراته. بل تمنع عن نفسك لذة هذه السقطات.
وأنت تخشى من المجهول تفقد إبداعا تخفيه روحك، وتقضي على أحلامك رويدا رويدا. هل أقوم بخطوة أولى، هل أترك خيوط الخوف التي تقيدني، هل أتحرر؟  نتساءل؛ ما الحرية حقا؟ ربما يغمرك نفس السؤال أيضا أيها الغريب، وفي ليلة مظلمة قد تتأمل سقف غرفتك أو ربما سقف السماء المرصع بالنجوم، ثم تتساءل، ما الحرية حقا؟

لكل منا قيود تقيده يا صديقي، لكل منا أغلاله الخاصة به، لكل منا سلاسل تجعله سجينا دون أن يدري؛ هي سلاسل لا ترى أبدا، هي أغلال لا تنظرها بعينيك، بل بقلبك. تحسس نبضك لتجده يترنح لعله يعزف شيئا جميلا، لكن دون جدوى. لماذا؟ ربما لأنه مقيد، لأنه مقيد بمخاوف عبثية. وتحررك من الخوف يا صديقي ليس بمفهوم الخروج عن دائرة الأخلاق، أن تتحرر ليس فقدان نفسك الصافية، وليس تحررك من المخاوف أن تنسى خوفا ضروريا، الخوف من رب الأرض والسماء.

لتقضي على الخوف يا صديقي، تذكر أن كل يوم يحمل تحدياته الخاصة، وكل تحدٍّ يستحق أن نواجهه بكل شغف. تذكر أننا نقضي على مخاوفنا حين نواجهها، فواجه مخاوفك يا صديقي وتوهج. اكسر هذا القيد بكل ما تملك من حب للحلم في صدرك، حطم أوثان المخاوف بيديك وتأمل قلبك يشتعل بالحب من جديد.

تذكر دوما أن الخوف ظل عال يمنعك من إيقاظ القوة التي تملكها بين أضلاعك، تذكر أن انشغالك بهواجس عابرة تجعلك تفقد قدراتك كل يوم. أنت قادر على التوهج من جديد يا صديقي، فأنصف نفسك بنفسك وحطم مخاوفك محلقا كالنسر المحرر في سماء صافية.

الخوف، والشغف، والحبو الحرية؛ هذه مفردات لا أود منك أن تنساها. الخوف يقتل الشغف، والشغف هو الذي يسقي حبك، ودون حب وشغف تعتبر فارغا، تعتبر جثة يا صديقي، فلا تكن جثة وكن شمعة تنير الدروب. دمت خفيفا محررا يا صديقي الغريب، نلتقي في رسالة مقبلة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri