طالبوا علم أم طالبوا شهادات؟

لا يخفى عن مخيلتي ذلك اليوم، في إحدى حصص الفلسفة بالثانوية، حينما طرح علينا سؤال يتطلب فقط الإجابة بنعم أو لا، إلا أنه في الحقيقة كان يخفي في طياته الكثير من التساؤلات والعديد من الأفكار التي ما فتئت تجعلني أعيد النظر في مناهجنا الدراسية، في طريقة التعليم التي نحن تحت ظلالها ونتبعها منذ أول مرة وطئت فيها أقدامنا باب المدرسة، كيف أننا أصبحنا آلة تنسخ ما تستقبل، وتعيد ما قد خزنته، وبعد مدة تتلاشى جل الأفكار والمعلومات مباشرة بعد أن نمتحن في أسئلة وكأنك تعيد الأمانة إلى صاحبها دون أن تشوبها شائبة ودون تلف وإلا فمصيرك السقوط وسخرية محيطك بفشلك وغبائك. ذلك السؤال الذي كان مفاده: هل أنتم طالبوا علم أم طالبوا شهادات؟

كم مرة سمعت فيها والديك يتحدثان عن فلان حاز شهادة الدكتوراه في مجال معين، وجيرانك وزغاريدهم تعلوا يهتفون باسم ابن الجارة الذي حاز على أعلى نقطة في الإقليم أو حتى على المستوى الوطني؟ كم مرة سُئلت فيها عن نقطتك في مادة من المواد الدراسية، فكنت ترجوا لو أن الأرض انشقت وبلعتك إذا كانت النقطة أقل من فلان أو علان ولو بنسبة ضئيلة، وكأنك أخفقت في مسيرتك كلها، ولا أمل لك على طول الطريق.

أصبحنا نخشى الإخفاق، أو نستلذ طعم الخسارة في بعض الأحيان، وكأنه فشل ذريع وكأنه أصبح وصمة عار لا نقطة بداية وقوة من أجل بداية جديدة، فترى أحد أفراد العائلة يستشهد بابن خالته أو ابن عمته وقد حاز تلك النقطة وتلك الشهادة، يستصغرونك ويعتبرونك فاشلا مهما حققت من إبداعات شخصية، لأن المعيار الأساسي للنجاح لدى الكثير منا هو أعلى النقط وأفضل النتائج، حتى أصبحنا نخشى الفشل فتندثر رغبة المحاولة، لكن المؤسف والمضني هو تحمل والدينا لمثل هذا الكلام، وكأنه موجه إليهم وذلك لقلة علمهم أو عدم إكمالهم لمسيرتهم الدراسية، لكنهم رغم ذلك تراهم يرسمون جل آمالهم فينا نحن الأبناء، وثقتهم أنه ما عسر عليهم يوما تحقيقه، سنكون نحن لهم مصدر فخر واعتزاز بما سنسعى جاهدين لتحقيقه.

لا زلت أتذكر كيف كنا نوزع على مقاعد الأقسام اعتمادا على معايير، ربما كانت مصدر يأس واستسلام لدى البعض وبداية قوة من أجل النجاح رغم أنف الكارهين لدى البعض الآخر، تلك المعايير التي كانت ترتكز أساسا على المعدلات التي تحصلنا عليها في السنوات الماضية، فترى صاحب أعلى معدل يجلس في مقدمة الصف، أما صاحب النقاط الضعيفة فيتذيل الصف، وكأنه محكوم عليه بالفشل مدى الحياة، حتى وإن كانت له مؤهلات ومميزات في مجالات أخرى.

لطالما أصغينا لذلك الكلام الذي عهدنا سماعه في كل مرة، لا بد وأن تدرس وتحصل على شهادة معينة، بها تستطيع أن تمتهن وظيفة توفر لك قوت يومك، فتشتغل ليل نهار وكأنك آلة اعتادت العمل على نفس الوتيرة وعلى نفس الأسلوب، وإلا ستظل عالة على المجتمع ووالديك. كلمات لطالما حطت رحالها على أكتافنا فأثقلتها مسؤولية من جهة وطموحا من جهة أخرى، فلم نستطع يوما إنزالها لنرتاح ولو لوهلة، فترانا نعمل جاهدين غير آبهين بأنه لا بد أن نأخذ قسطا من الراحة ومن ثم الاستمرار.

مقالات مرتبطة

الدهشة الزائلة

حكايا الطريق

تبقى هذه الصور قليلة بالمقارنة مما عاناه أغلبنا طوال مسيرته الدراسية، هذه الصور التي برمجتنا على ضرورة استعمال نفس الحذاء على طول الطريق وإن كان مترهلا أو ضيقا، وتسبب في تورم أقدامنا. تلك الفكرة التي دفعتنا وحثتنا على ضرورة الحصول على أعلى النقاط وأفضل المعدلات دون كسب للمعرفة، والدليل على ذلك هو ذلك الاختبار التقويمي الذي كنا نجتازه في بداية كل سنة دراسية جديدة، والذي كانت مجموع أسئلته حوالي عشرة أسئلة تتمحور جلها حول المقرر الدراسي للأعوام الماضية، فترانا ما نلبث حتى نجيب عن سؤال أو اثنين على الأكثر، نظرا لكثرة تكرار الأجوبة أو نفس المعلومة فاتخذت من عقولنا مكانا غير متزحزحة عنه فظلت راسخة.

لكن، لا بد أن نذكر فضل تلك الأفكار التي كانت محركنا الرئيسي من أجل النجاح في كل سنة؛ ذلك الحماس والتنافس الذي توارثناه أو الذي قد زرع فينا رغما عنا، لأننا لا نقوى على رؤية نظرات الحسرة تعلو محيا والدينا، ولا أن نرى الأسى يتمكن منهم في كل مرة نخفق فيها، فالمجهودات التي بذلوها وعمرهم الذي أفنوه من أجل رعايتنا وتربيتنا وتوفير جل الظروف اللازمة والمناسبة من أجل الحصول على فرصة التعلم والاستفادة التي لم يجدها البعض منا. فنسعى جاهدين من أجل إسعادهم ورسم البسمة على وجوههم.

وفي هذا الصدد تتبادر إلى ذهني كلمات من ذاك النشيد الذي يحفظه أغلبنا عن ظهر قلب لرامي محمد:

فضلكم يا والدي عمني حتى اللجم *** كل هم قد أصـبـنـا زادكم بـالطـبع هم
إن كـل ما جنينا من جـهــودكــم نجم *** والدي يا خير عون كان لي عند المحن

وأخيرا، وجب إعادة النظر في السبب الذي نذهب لأجله إلى المدرسة، هل من أجل حفظ الدروس حرفيا واجتياز الاختبارات في آخر السنة، فتتلاشى جل المعلومات مباشرة بعد انقضاء فترة الامتحانات؟ لتتغير طريقة التعلم، لا بد أن نصقل مواهبنا ونعرفها حق المعرفة فتساعدنا على الإبداع في شتى المجالات فترانا على عجلة من أمرنا نرسم أهدافا ونرفع سقف الأحلام، فنسعى جاهدين من أجل النجاح راجين توفيقا وتيسيرا من الله العلي القدير، الفشل ليس عيبا، والإخفاق ليس جريمة، بل هو لذة المسير، واعلم يا عزيزي القارئ أن أكبر عائق أمام النجاح هو الخوف من الفشل، وأن هذا الأخير يتيح لك فرصة البدء من جديد وبذكاء أكثر.

1xbet casino siteleri bahis siteleri