قسم الإنسانية الساكتة

172

“الناس قسمان: متكلمون وساكتون، أنا قسم الإنسانية الساكتة، وما بقي فمتكلمون، أمّا البكم والرضع فلغاية ختمت الحكمة الأزلية على أفواههم فلا يتكلمون، في حين أني ختمت على فمي بيدي، وقد أدركت حلاوة السكوت ولم يدرك المتكلمون مرارة الكلام، لذلك سكتت والناس يتكلّمون.” ميخائيل نعيمة-مذكرات الأقرش.

كم شدّتي هذه الفقرة من الكتاب وتركتني أتأملها تأملاً عميقاً في كل حرف من حروفها، قسم الإنسانية الساكت، السكوت، الشيء الوحيد في هذا العالم الذي يدخلك إلى حالة تأمل بعقل واع. إن في الكلام مزيج من الصدق والكذب، أما السكوت فلا كذب فيه، إنما هو خمود لبركان، ورحمة من فيضان، الشيء الوحيد في هذا العالم الذي لم ولن تندم عليه إطلاقاً، ذاك الصديق الودود الذي يجعلك تخمن بعقل واع، والذي يجعلك تفكر بعقلانية أكثر في حل أغلب المشاكل الكبيرة منها والتافهة أيضاً، وإنني على قناعة تامة أن البشر لو كانوا يميلون للصمت أكثر من رغبتهم في الكلام لقلّ ندمهم ومرارة كلامهم على الكثير من الأشياء.

لا ريب أن كل شيء في هذا الكون له إيقاع، فإن الشمس لما تشرق كل يوم تبدو في خيوطها الذهبية إيقاعات منقطعة النظير، وكذلك بالنسبة للمتأمل في كينونته، يجد أن السكوت فيه إيقاع ومن ورائه تجعل من عينيك أجهزة للمراقبة، تبصر ما في القلوب وتقرأ ما في الأفكار. وعلى على الرغم من أنني أشجع على فكرة أن كلما قلّ الكلام نفع، إلاّ أنني أؤمن أن وراء كل صمت ألف حكاية وحكاية، فليس كل صامت خال البال.

تمر على الإنسان لحظات تكتف روحه بالسكوت والتي لا مناص له من لقائه لأصعب اللقاءات وأكثرها حقيقة، ألا وهي لقاء الأنا. غالبا ما يكون هذا اللقاء مرهقاً للغاية، يراودك شعور أنك منفي داخل نفق مظلم وأنت محاصر داخله، وسط حزب معارض يحاسبك على كل خطوة وعلى أي قرار تتخذه على الرغم من تفكيرك في المسألة على نحو ناضج.

أحياناً، أحسد الإنسان السوي المحب للبوح والذي يتكلم باجتهاد وحدّة وإخلاص، وأنا أمام روحي المكثفة بالسكوت بعيدة عن أنظارهم الكثيفة، وعلى الرغم من ذلك أرى أن في كثرة كلامهم دليلا على عدم وجود ما يشغل عقولهم، مع استمراري على حسده. هم بالذات الذين يستغلون أي فرصة في المواصلات وأي حدث ليحكوا عن حكايتهم، هم الخائفون من هذا العالم البارد، والمتحمسون لأي نقاش لمجرد أنهم يجدون من يناقشوهم. لكن السؤال الأهم هنا: ماذا لو أن قسم الإنسانية الساكت خرج عن سكوته وقرر البوح؟

أحيانا، قد لا يكون السكوت اختياراً صائباً، قد يكون أيضاً خطراً إذا أضعنا معه الكثير من الفرص أو ربما يقتل دواخلنا وإنسانيتنا، ويؤذي أرواحنا بكبث مشاعرنا، إلى أن ينتهي بك المطاف وتجد نفسك وسط عنف صامت. إن البوح يهدئ من روع الإنسان ويخفف من شعوره بالتعب، والحاجة إليه تكمن في أن تجد شخصاً ذا شخصية متزنة التي تنبع منها الخصال المتباينة بشكل ذكي، ذوي الشخصية الحاضرة الشعور وحصيفة العقل، شخص عفويته ممزوجة بالوعي يلهمك بكلامه وذوقه وسلاسته وحزمه، لكن الحظ بخيل جداً في التعرف على هذه الأشخاص ومجالستهم بعيداً عن هذا العالم وبعيداً عن كل تلك النسخ المتكررة في كل مكان. لذلك، إن لم تجد هذا الشخص فمن الأفضل أن تختم بيدك على فمك. بعدها ستدرك حقا حلاوة السكوت التي لم يدركها المتكلمون، أحسن من أن تراقبهم يرحلون تباعاً لا يكترثون لأي حرف من كلامك، واسكت ودععهم يتكلمون.

رغم أن البوح يقي الروح من الهلاك ويصمت تلك الثرثرة والضجيج الذي بدواخلنا لكنه لا يجدي نفعاً في بعض المواقف. لكل شيء عجائبه، وللظلام والسكوت عجائبه أيضاً. إن السكوت فرصة ثمينة لضبط النفس وترتيب الأفكار، كما يفيد في الهدوء والترتيب واختيار القرارات والكلمات المناسبة. عندما يكف الإنسان عن قول ما هبّ ودب من الكلام سيبدأ العقل بلعبته المعهودة وهي التأمل، حينها سيخرج الإنسان من محيط الثرثرة إلى محيط الفهم.

1xbet casino siteleri bahis siteleri